محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
856
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
التفسير [ و ] المعاني قال قتادة : هؤلاء المؤمنون المهاجرون المجاهدون في سبيل اللّه هم خيار خلق اللّه وقد جعلهم من الراجين كما تسمعون . قال الزجّاج : لأنّهم عند أنفسهم لا يعلمون ما يختم به أمورهم . وقوله : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، قال أهل المعاني : إنّما ذكر المغفرة هاهنا أي يغفر ما كان منهم في سالف الأيّام من الكفر والطغيان ؛ وقيل : يغفر ما كان منهم من التقصير في تحرّي الوقت للقتال على قول من قال إنّهم لم يتيقّنوا وقوع القتال في جمادى ، فهو غفور لتقصيرهم رحيم لتكليفهم بما قد استطاعوا ؛ وقيل : العبد ليس يخلو قطّ عن تقصير في الطاعة ؛ فيحتاج على كلّ حال إلى المغفرة والرحمة وإن كان مؤمنا مهاجرا مجاهدا في سبيل اللّه . الأسرار قال المعتبرون بقصص القرآن : انظروا كيف امتحن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - أصحابه حيث بعثهم سرية إلى أمر قد أخفى عليهم سرّه ؛ فما توانى أصحابه في امتثال أمره على غير بصيرة ، وقد أعطاهم كتابا مختوما لا يفتحونه إلّا بعد يومين في مرحلتين ؛ فلمّا فتحوا وقد أمرهم بالذهاب إلى عير قريش وفيه خطر عظيم مخاطرة بالروح ومجاهدة بالنفس من غير عدّة وعدد كبير ، ولم يعلموا عدد المشركين ؛ فساروا راجين رحمة اللّه وقد اعتراهم شكّ في اليوم أهو من رجب أم من جمادى ؛ فرجّحوا جانب الأمر على جانب الرأي ، واليقين على الشكّ . أو ما كان النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - يعرف أنّ القتال ربّما يقع في الشهر الحرام وقد سرّحهم في أواخر الشهر قبله ؛ فلم ينظروا إلى ما عندهم من تحريم القتال في الشهر الحرام ، بل نظروا إلى ما أمرهم به في كتابه المختوم ؛ فحصل المراد وكثر الخير والبركة ، لا كالذي قال وقد أمر بقتل رجل : يا رسول اللّه ! إنّي وجدته في الصلاة . فقتل رجل في الصلاة كقتل رجل في الشهر الحرام لكن الدين هو الطاعة والاتّباع وترك الهوى والابتداع . وسرّ آخر : في القصّة أنّها كما كانت فتنة للمشركين بالتشنيع على المسلمين كذلك كانت فتنة للمنافقين بالاعتراض على المؤمنين ، وهي أوّل محنة وقعت ( 353 ب ) في الإسلام